بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ
الإعلانات الاحتيالية على منصات التواصل
ربح بمليارات الدولارات وخسارة للثقة
في عصر أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي المصدر الرئيسي للأخبار والمعلومات والترفيه لمليارات البشر، تبرز ظاهرة خطيرة تهدد نزاهة الفضاء الرقمي الإعلانات الاحتيالية. تشير التقديرات إلى أن واحداً من كل عشرة إعلانات على هذه المنصات قد يكون احتيالياً . هذه الظاهرة لم تعد مجرد إزعاج بسيط، بل تحولت إلى صناعة موازية تجني من خلالها المنصات الرقمية أرباحاً طائلة على حساب مستخدميها، في وقت تتصاعد فيه الأصوات المطالبة بمحاسبة هذه الشركات وتجريدها من الحصانة القانونية التي تمتعت بها لعقود.
حجم الظاهرة أرقام صادمة وخسائر فادحة
تكشف الدراسات الحديثة عن حجم مقلق لظاهرة الإعلانات الاحتيالية. فوفقاً لبيانات Revolut، يتعرض المستخدم الأيرلندي العادي لـ 164 إعلاناً احتيالياً شهرياً، وهو رقم مرشح للارتفاع إلى 215 إعلاناً إذا استمرت الاتجاهات الحالية . أما على المستوى الأوروبي، فتقدر العائدات التي تجنيها المنصات من هذه الإعلانات بنحو 4.4 مليار يورو سنوياً .
لكن الأكثر إثارة للقلق هو اعترافات الشركات نفسها. ففي تصريح نادر، اعترفت مسؤولة في Meta بأن ما بين 3% إلى 4% من عائدات الشركة قد تأتي من إعلانات احتيالية عالية المخاطر، وهو ما قد يعادل أكثر من 5 مليارات دولار سنوياً . هذا الرقم أقل من التقديرات الداخلية السابقة التي أشارت إلى 10%، لكنه يظل مؤشراً على حجم المشكلة .
وتتوزع نسب الإعلانات الاحتيالية بشكل متفاوت بين المنصات المختلفة. فبينما سجلت Meta أداءً أفضل نسبياً بمعدل 8.2% من الإعلانات غير الصالحة، تصدرت TikTok القائمة بـ 24.2% ، تلتها LinkedIn بـ 19.88% ثم X (تويتر سابقاً) بـ 12.79% . هذه الأرقام تعكس استثمارات متفاوتة في تقنيات مكافحة الاحتيال بين منصة وأخرى.
أرباح المنصات: تضارب مصالح واضح
السؤال الأخلاقي الملح يتمثل في مدى استفادة المنصات من استمرار هذه الظاهرة. دراسة Juniper Research التي كلفتها Revolut توصلت إلى نتيجة صادمة المنصات الاجتماعية تعمل تحت "تضارب مصالح عميق" حيث تفوق المكافآت المالية لاستضافة المحتوى الاحتيالي تكاليف مراقبته . فالشركات تجني الأرباح من الإعلانات قبل اكتشاف احتيالها، وغالباً ما تبقى العائدات بحوزتها حتى بعد حذف الإعلانات المخالفة.
وفي أيرلندا وحدها، قدرت العائدات المتحققة من الإعلانات الاحتيالية بنحو 36.1 مليون يورو . وعلى المستوى العالمي، تخسر الشركات المعلنة ما يقدر بنحو 63 مليار دولار سنوياً بسبب حركة المرور غير الصالحة، والتي تشمل نشاط البوتات والنقرات الآلية .
جهود المكافحة بين الخطط التجميلية والحلول الجذرية
إجراءات المنصات
تدّعي منصات التواصل أنها تبذل جهوداً لمكافحة الظاهرة. Meta، على سبيل المثال، طورت أداة "حماية حقوق العلامة التجارية" التي تمكن الشركات من الإبلاغ عن إساءة استخدام علاماتها التجارية في الإعلانات. كما وسعت قدرة الشركات على الإبلاغ عن الإعلانات المشبوهة حتى عندما لا تنتهك الملكية الفكرية بشكل مباشر .
وتشير البيانات إلى أن Meta أزالت أكثر من 157 مليون محتوى إعلاني عالمياً خلال 2024 لانتهاكها سياسات مكافحة الاحتيال . كما ارتفعت نسبة المعلنين الموثقين لديها من 55% في 2024 إلى 70% في 2025، مع هدف الوصول إلى 90% خلال العام الجاري.
أما Google فتعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي لمنع الإعلانات الاحتيالية قبل ظهورها على المنصة. لكن رغم ذلك، تبقى هذه الجهود غير كافية في مواجهة خصوم يستخدمون نفس التقنيات المتطورة.
تحديات مستمرة
يواجه المسؤولون التنفيذيون تحديات كبيرة، أبرزها الطبيعة العالمية للاحتيال، حيث يمكن الاستعانة بخدمات قرصنة من دول مختلفة، واستخدام شبكات الإعلانات الشرعية نفسها للوصول إلى الضحايا. كما أن المحتالين يتكيفون مع إجراءات المكافحة بسرعة كبيرة .
الضحايا خسائر مالية وأضرار نفسية
الإعلانات الاحتيالية ليست مجرد خداع بسيط، بل تسبب خسائر مالية فادحة للضحايا. في أيرلندا، يتجاوز متوسط الخسارة لكل عملية احتيال 1500 يورو، وهو الأعلى في أوروبا. أما في بريطانيا، فتم تسجيل 17 ألف بلاغ عن احتيال بالعملات المشفرة في 2025، مع تقديرات بأن العدد الحقيقي يصل إلى 170 ألف شخص نظراً لأن 10% فقط يبلغون عن هذه الجرائم .
وتكشف قضيتان دوليتان عن حجم الكارثة حملة احتيال واحدة حققت 247 مليون دولار من 27 ألف شخص في 30 دولة، وأخرى جمعت 35 مليون دولار من 6000 شخص . هذه الأرقام تؤكد أن الاحتيال عبر الإعلانات لم يعد نشاطاً هامشياً، بل صناعة إجرامية منظمة.
الاستجابة التشريعية: قانون SCAM كمنعطف تاريخي
في تطور مهم، قدم السيناتوران الديمقراطي روبن غاليغو والجمهوري بيرني مورينو مشروع قانون ثنائي الحزب يحمل اسم "قانون حماية المستهلكين من سوء الممارسات الإعلانية" (SCAM Act) . يهدف القانون إلى:
مطالبة المنصات باتخاذ خطوات معقولة لمنع الإعلانات الاحتيالية
التحقق من هوية المعلنين قبل نشر إعلاناتهم
تعزيز قدرات لجنة التجارة الفيدرالية والولايات في ملاحقة المخالفين
الحد من حصانة القسم 230 لقانون آداب الاتصالات، الذي حمى المنصات من المساءلة القانونية
ويؤكد مشروع القانون مبدأ أساسياً "إذا كانت الشركة تجني المال من عرض إعلانات على موقعها، فعليها مسؤولية التأكد من أن هذه الإعلانات ليست احتيالية" .
خاتمة نحو توازن جديد بين الربح والمسؤولية
تمثل الإعلانات الاحتيالية على منصات التواصل الاجتماعي واحدة من أكبر التحديات الأخلاقية والتجارية في العصر الرقمي. فبينما تجني المنصات مليارات الدولارات من هذه الإعلانات، يدفع المستخدمون الثمن غالياً، سواء بخسائرهم المالية أو بتآكل ثقتهم في الفضاء الرقمي.
الأرقام التي تشير إلى أن 10% من الإعلانات قد تكون احتيالية ، وأن الخسائر السنوية تصل إلى 63 مليار دولار ، تستدعي تحركاً جاداً يتجاوز البيانات الصحفية وحملات العلاقات العامة. ربما يكون قانون SCAM نقطة تحول حقيقية في مسار المساءلة، لكنه يبقى مجرد بداية.
المستقبل يحمل تحديات أكبر مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي والوكلاء الذكيين (Agentic AI)، التي ستعقد التمييز بين النشاط البشري الحقيقي والتفاعلات التركيبية. في هذا البيئة المتغيرة، لن يكون الحل في يد المنصات وحدها، بل يحتاج إلى تضافر جهود المشرعين والمؤسسات المالية والمستخدمين أنفسهم. فمكافحة الاحتيال الإلكتروني لم تعد خياراً، بل ضرورة للحفاظ على نزاهة الاقتصاد الرقمي وثقة المستخدمين فيه.

0 تعليقات
(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ))
Emoji